ابن ميثم البحراني

342

شرح نهج البلاغة

الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا - ولَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا - ولَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ - ولَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الأُمُورِ - فَتَمَّ خَلْقُهُ بِأَمْرِهِ وأَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وأَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ - لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ ولَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ - فَأَقَامَ مِنَ الأَشْيَاءِ أَوَدَهَا ونَهَجَ حُدُودَهَا - ولَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا - ووَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وفَرَّقَهَا أَجْنَاساً - مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ والأَقْدَارِ والْغَرَائِزِ والْهَيْئَاتِ - بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وفَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وابْتَدَعَهَا أقول : آل : رجع . وأذعن : خضع وذلّ . والريث : البطؤ وكذلك الأناة . والمتلكَّئ التباطؤ عن الأمر والتوقّف فيه . والأود : الاعوجاج ، وبدايا : جمع بدية وهى الخلقة العجيبة . فقوله : قدّر ما خلق فأحكم تقديره . إشارة إلى أنّ كلّ مصنوع قدرّة في الوجود فعلى وفق حكمته بحيث لو زاد على ذلك المقدار أو نقص منه لاختلَّت مصلحة ذلك المقدّر وتغيّرت منفعته . وقوله : ودبّره فألطف تدبيره إيجاده على وفق المصلحة ولطفه في ذلك تصرّفه في جميع الذوات والصفات تصرّفات كلَّيّة وجزئيّة من غير شعور غيره بذلك . وقوله : ووجّهه لوجهته . إلى قوله : إلى غايته : أي ألهم كلَّا ويسّره لما خلق له ولما كتب له في اللوح فلم يتجاوز مرسوم تلك المنزلة المعلومة له : أي لم يعبرها ولم يقصر دونها وإلَّا لزم التغيّر في علمه سبحانه وإنّه محال . وقوله : ولم يستعصب إذ أمر بالمضيّ على إرادته : أي لمّا أمر المخلوق بالتوجّه إلى وجهه على وفق إرادة اللَّه وساقت الحكمة الإلهيّة كلَّا إلى غايته لم يمكن تخلَّفه